فصل: ثم دخلت سنة ثمانين ومائهَ

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: تاريخ أبي الفداء **


  ثم دخلت سنة ثمان وخمسين ومائة

وفاة المنصور وهـو المنصور عبد الله بن محمد بن علي بن عبد الله بن عباس وكانت وفاته في هذه السنة لست خلون من ذي الحجة ببئر ميمونة وكان قد خرج من بغداد لحج فسار معه ابنه المهدي فقـال لـه المنصور‏:‏ إِني ولدت في ذي الحجة ووليت في ذي الحجة وقد هجس في نفسي أني أمـوت فـي ذي الحجـة مـن هـذه السنـة وهـذا هـو الـذي حدانـي على الحج فاتق الله فيما عهد إِليك من أمور المسلمين بعدي ووصاه وصية طويلة ثم ودعه وبكيا ثم سار إِلى الحج ومات ببئر ميمونة محرماً في التاريخ المذكور وكان مرضه القيام وكان عمره ثلاثـاً وستيـن سنـة وكانـت مدة خلافته اثنتين وعشرين سنة وثلاثة أشهر وكسراً‏.‏

وكان المنصور أسمر نحيفاً خفيف العارضين ولد بالحميمة من أرض الشراة ودفن بمقابر بابه المعلـى وبقـي أثـر الإحرام فدفن ورأسه مكشوف ومما يحكى عنه فيما جرى له في حجه قيل‏:‏ بينمـا الخليفـة المنصـور يطـوف بالكعبـة ليـلاً إِذ سمع قائلاً يقول‏:‏ اللهم إني أشكو إليك ظهور البغي والفسـاد فـي الـأرض وما يحول بين الحق وأهله من الطمع فخرج المنصور إلى ناحية من المسجد ودعا القائل وسأله عن قوله فقال له‏:‏ يا أمير المؤمنين إن أمنتني أنبأتك بالأمور على جليتها وأصولها فأمنه‏.‏

فقال‏:‏ إن الذي دخله الطمع حتى حال بين الحـق وأهلـه هـو أنـت يـا أميـر المؤمنين فقال المنصور‏:‏ ويحك وكيف يدخلني الطمع والصفراء والبيضاء في قبضتي والحلـو والحامض عندي فقال الرجل‏:‏ لأن الله تعالى استرعاك المسلمين وأموالهم فجعلت بينك وبينهم حجابـاً مـن الجـص والآجـر وأبوابـاً مـن الحديـد وحجابـاً معهـم الأسلحـة وأمرتهـم أن لا يدخـل عليـك إلا فلـان وفلـان ولم تأمر بإِيصال المظلوم والملهوف ولا الجائع والعاري ولا الضعيف والفقير وما أحد إلا وله من هذا المال حق فلما رآك هؤلاء النفر الذي استخلصتهم لنفسك وأثرتهم على رعيتك تجبي الأموال فلا تعطيها وتجمعها ولا تقسمها قالوا‏:‏ هذا قد خان الله تعالى فما لنا لا نخونه وقد سخّر لنا نفسه فاتفقوا على أن لا يصل إِليك من أخبار الناس إِلا ما أرادوا ولا يخرج لـك عامـل فيخالـف أمرهـم إِلا أقصـوه ونفـوه حتـى تسقـط منزلتـه ويصغـر قدره فلما انتشر ذلك عنك وعنهم عظمهم الناس وهابوهـم فكـان أول مـن صانعهـم عملـك بالهدايا ليتقووا بهم على ظلم رعيتك ثم فعل ذلك ذو القدرة والثروة من رعيتك لينالوا به ظلـم مـن دونهـم فامتلـأت بلـاد اللـه بالطمـع ظلمـاً وفسـاداً وصـار هـؤلاء القـوم شركـاءك في سلطانك وأنت غافل فإن جاء متظلـم حيـل بينـه وبيـن الدخـول إِليـك فـإن أراد رفـع قصـة إِليك وجدك قد منعت من ذلك وجعلت رجلاً ينظر في المظالم فلا يزال المظلوم يختلف إِليه وهو يدافعه خوفاً من بطانتك فإذا صرخ بين يديك ضرب ضرباً شديداً ليكون نكالاً لغيره وأنت تنظر ولا تنكر فما بقاء الإسلام على هذا فإِن قلت إِنما تجمع المال لولدك فقد أراك الله في الطفل يسقط من بطن أمه وماله في الأرض مال وما من مال إلا ودونه يد شحيحة تحوبه فما يزال الله يلطف بذلك الطفل حتى يعظم رغبة الناس إِليه ولست الذي يعطي وإنما الله عز وجلّ يعطي من يشاء بغير حساب وإن قلت إِنما أجمع المال لتسديد الملك وتقويته فقد أراك الله في بني أمية ما أغنى عنهم ما جمعوه من الذهب والفضة وما أعدوا من الرجال والسلاح والكراع حين أراد الله تعالى لهم ما أراد وإن قلت إِنما أجمعه لطلب غاية هي أجسم من الغاية التي أنت فيها فو الله ما فوق الذي أنت فيه منزلةً إِلا منزلةً ما تنال إِلا بخلاف ما أنت عليه‏.‏

أولاده وهم المهدي محمد وجعفر الأكبر مات في حياة أبيه المنصور ومنهم سليمان وعيسى ويعقوب وجعفر الأصغر وصالح المسكين وكان المنصور أحسن الناس خلقاً في الخلوة حتى يخرج إِلى الناس‏.‏

خلافة المهدي محمد بن المنصور

وهو ثالثهم ووصل إِليه الخبر بموت أبيه وبالبيعة له في منتصف ذي الحجة لأن القاصد وصل من مكة إِلى بغداد في أحد عشر يوماً فباد أهل بغداد‏.‏

  ثم دخلت سنة تسـع وخمسيـن ومائـة

وسنـة ستين ومائة فيها أمر المهدي برد نسب آل زياد الذي استلحقه معاوية بن أبي سفيان إِلى عبيد الرومي وأخرجهم من قريش فأخرجوا من ديوان قريش والعرب وردوهم إِلى ثقيف‏.‏

وفيها حج المهدي وفرق في الناس أموالاً عظيمة ووسع مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم وحمل الثلج إِلى مكة‏.‏

وفيها مات داود الطائي الزاهد وكان من أصحاب أبي حنيفة وعبد الرحمن ابن عبد الله بن عتبة بن مسعود المسعودي وفيها توفي الخليل بن أحمد البصري النحوي أستاذ سيبويه‏.‏

  ثم دخلت سنة إِحدى وستين ومائة

فيها أمر المهدي باتخاذ المصانع في طريق مكة وبتجديد الأميـال والبرك وبحفر الركايا وبتقصير المنابر في البلاد وجعلها بمقدار منبر رسول الله صلى الله عليه وسلم‏.‏

وفيها جعل المهدي يحيى بن خالد بن برمك مع ابنه هارون وجعل مع الهادي أبان بن صدقة وفيها توفي إِبراهيم بن أدهم بن منصور الزاهد وكان مولده ببلخ وانتقل إلى الشام فأقام به مرابطاً وهو من بكر بن وائل‏.‏

قال إِبراهيم بن يسار سألت إبراهيم بن أدهم كيف كان بدو أمرك حتى صرت إلى الزهد قـال‏:‏ غيـر هـذا أولـى بـك فما زال يلح عليه بالسؤال حتى قال‏:‏ إِني من ملوك خراسان وكان قد حبـب إِلي الصيد فبينما أنا راكب فرساً وكلبي معي إذ تحركت على صيد فسمعت نداء من ورائي‏:‏ يا إِبراهيم ليس لهذا خلقت ولا به أمرت فوقفت مقشعراً أنظـر يمنـة ويسـرة فلـم أر أحـداً قلـت‏:‏ لعن الله إِبليس‏.‏

ثم حركت فرسي فسمعت من قربوس سرجي‏:‏ يا إِبراهيم ليس لهـذا خلقـت ولا بـه أُمـرت فوقفـت وقلـت هيهـات‏!‏ جاءنـي النذير من رب العالمين واللّه لا عصيت ربي فتوجهت إِلى أهلي وجئت إِلى بعض رعاء أبي فأخذت جبته وكساءه وألقيت إِليه ثيابي ثم سرت حتى صرت إِلى العراق ثم صرت إِلى الشام ثم قدمت إِلى طرسرس فأستأجرنـي شخـص ناطـور البستـان قـال‏:‏ فمكثـت فـي البستـان أيامـاً كثيـرة كلمـا اشتهـرت اختفيت وهربت من الناس وكان إِبراهيم بن أدهم يأكل من عمل يده مثل الحصـاد وحفـظ البساتين والعمل في الطين رحمه الله تعالى‏.‏

  ثم دخلت سنة ثلاث وستين ومائة

فيها تجهز المهدي لغزو الروم وجمع العساكر من خراسان وغيرها وعسكر بالبردان وسار عنها وكان قد استخلف على بغداد ابنـه موسـى الهـادي واستصحب معه ابنه هارون الرشيد فلما وصل المهدي إِلى حلب بلغه أن في تلك الناحية زنادقة فجمعهم وقتلهم وقطع كتبهم‏.‏

وسار إِلى جيحان وجهز ابنه هارون بالعسكر إلى الغزو فتغلغل هارون في بلاد الروم وفتح فتحات كثيرة ثم عاد سالماً منصوراً‏.‏

وفيها قتل المقنع الخرساني واسمه عطا وكان من حديثه أنه كان رجلاً ساحراً خيل للناس صورة قمر يطلع ويراه الناس من مسافة شهرين وإلى هذا القْمر أشار ابن سناء الملك بقوله‏:‏ إِليـك فمـا بدر المقنع طالعاً بأسحر من ألحاظ بدري المعمم وادعـى المقنع المذكور الربوبية وأطاعه جماعة كثيرة وقال‏:‏ إِن الله عزِّ وجل حل في آدم ثم في نوح ثم في نبي بعد آخر حتى حل فيه وعمر قلعة تسمى سنام بما وراء النهر من رستاق كيش وتحصن بها ثم اجتمع عليه الناس وحصروه في قلعته فسقى نساءه سماً فمتن ثم تناول منه فمات في السنة المذكورة لعنه الله فدخل المسلمون قلعته وقتلوا من بها من أشياعه وكان المقنع المذكور في مبدأ أمره قصاراً من أهل مرو وكان مشوّه الخلق أعور قصيراً وكان لا يسفر عن وجهه بل اتخذ له وجهاً من ذهب قتقنع به ولذلك قيل له المقنع‏.‏

  ثم دخلت سنة أربع وستين ومائة

فيها مات عم المنصور عيسى بن علي بن عبد الله بن عباس وعمره ثمان وسبعون سنة‏.‏

  ثم دخلت سنة خمـس وستيـن ومائـة

فيهـا أرسـل المهـدي ابنـه هـارون الرشيـد إِلـى الـروم فـي جيش كثير فسار حتى بلغ خليج القسطنطينية وغنم شيئاً كثيراً وقتل في الروم وعاد‏.‏

  ثم دخلت سنة ست وستين ومائة

فيها قبض المهدي وزيره يعقوب بن داود بن طهمان وكان قبـل أن يتولـى وزارة المهـدي يكتـب لنصـر بـن سيـار ثـم بقـي بعده بطالاً واتصل بالمهدي فاستوزره وصـارت الأمـور إِليـه وتمكـن عنـده فحسـده أصحـاب المهـدي وسعـوا فيـه حتـى أمسكـه فـي هـذه السنة وحبسه ولم يزل محبوساً إِلى خلافة الرشيد فأخرجه وقد عمي فلحق بمكة وكان أصحاب المهدي يشربون عنده وكان يعقوب ينهي المهدي عن ذلك فضيق على المهدي حتى أمسكه المهدي وحبسه وفيه يقول بشار بن برد‏:‏

بنـي أمية هبوا طال نومكم ** إِن الخليفة يعقوب بـن داود

ضاعت خلافتكم يا قوم فالتمسوا ** خليفـة اللـه بين الناء والعود

وفـي هـذه السنـة أقـام المهـدي بريـداً بيـن مكـة والمدينة واليمن بغالاً وإبلاً‏:‏ وفيها قتل بشار بن برد الشاعر على الزندقة وكان أعمى خلق ممسوح العينين ولما قتل كان قد نيف على التسعين وكـان بشـار المذكور يفضل النار على الأرض ويصوب رأي إبليس في امتناعه من السجود لآدم عليه السلام‏.‏

  ثم دخلت سنة سبـع وستيـن ومائـة

فيهـا توفـي عيسـى بـن موسـى بـن محمـد ابـن علـي بن عبد الله بن عباس ابن أخي السفاح والمنصور وهو الذي أوصى له السفاح بالخلافة بعد المنصور‏.‏

ثم خلعـه المنصـور وولـى ابنـه المهـدي وكـان عمر عيسى بن موسى المذكور خمساً وستين سنة وفي هذه السنة زاد المهدي في المسجد الحرام ومسجد النبي صلى الله عليه وسلم‏.‏

  ثم دخلت سنة ثمان وستين ومائة وسنة تسع وستين ومائة‏.‏

موت المهدي

فيهـا توفـي المهـدي محمـد بـن عبـد اللـه المنصـور بـن محمـد بـن علـي بـن عبد الله بن عباس بماسبذان في المحرم لثمان بقين منه وكانت خلافته عشر سنين وشهراً وعمره ثلاث وأربعون سنة ودفن تحت جوزة وصلى عليه ابنه الرشيد وكان المهدي يجلس للمظالم ويقول‏:‏ أدخلوا علي القضاة فلو لم يكن ردي للمظالم إِلا للحياء منهم لكفى‏.‏

  خلافة الهادي

وهو رابعهم كان موسى الهادي مقيماً بجرجان يحارب أهل طبرستان فبويع له بالخلافة في عسكـر المهـدي في اليوم الذي مات فيه المهدي وهو لثمان بقين من المحرم من هذه السنة أعني سنة تسع وستين ومائة ولما وصل الرشيد وعسكر المهدي إِلى بغداد راجعين من ماسبذان أُخذت البيعة ببغداد أيضاً للهادي وكتب الرشيد إِلى الآفاق بوفاة المهدي وأخذ البيعة للهادي ولما وصل إِلى الهادي وهو بجرجان الخبر بموت أبيه المهدي وبيعة الناس لـه بالخلافـة نـادى بالرحيل وسار على البريد مجدّاً فدخل بغداد في عشرين يوماً واستوزر الربيع‏.‏

ظهور الحسين بن علي بن الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب وفي هذه السنة ظهر الحسين المذكور بمدينة الرسول عليه السلام وكان معه جماعة من أهل بيتـه منهـم الحسـن بـن محمـد بـن الحسـن بـن الحسـن بـن علـي بـن أبـي طالـب وعبـد اللـه بن إسحاق بن إبراهيم بن الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب وعبد الله المذكور هو ابن عاتكة‏.‏

واشتـد أمـر الحسين المذكور وجرى بينه وبين عامل الهادي على المدينة وهو عمر بن العزيز بن عبد الله بن عبد الله بن عمر بن الخطاب قتال فانهزم عمـر المذكـور وبايـع النـاس الحسيـن المذكـور علـى كتاب الله وسنة نبيه للمرتضى من آل محمد‏.‏

وأقام الحسين هو وأصحابه بالمدينة يتجهزون أحد عشر يوماً ثم خرجوا يوم السبت لست بقين من ذي القعدة ووصل الحسين إِلى مكـة ولحـق بـه جماعـة مـن عبيـد مكـة‏.‏

وكـان قـد حـج تلـك السنـة جماعـة من بني العباس وشيعتهم فمنهم سليمان بن أبي جعفر المنصور ومحمد بن سليمان بن علي والعباس بن محمد بن علي وانضم إِليهم من حج من شيعتهم ومواليهم وقوادهم واقتتلوا مع الحسين المذكور يوم الترويـة فانهزم أصحاب الحسين وقتل الحسين واحتز رأسه وأحضر قدام المذكورين من بني العباس وجمع معه من رؤوس أصحابه ورؤوس أهل المدينة ما يزيد على مائة رأس وفيها أيضـاً رأس سليمـان بـن عبـد اللـه بـن الحسـن بـن الحسـن بـن علـي بـن أبي طالب واختلط المنهزمون بالحاج وكان مقتلهم بموضع يقال له وج وهو عن مكة إِلى جهة الطائفْ ووج المذكور هو الذي ذكره النميري في شعره فقال‏:‏

تضوع مسكاً بطن نعمان إن مشت ** بـه زينـب في نسوة خفرات

مررن بوج ثم قمن عشية ** يلبـن للرحمـن معتمـرات

وفي قتل المذكورين بوج يقول بعضهم‏:‏

وعلـى ابـن عاتكـة الذي واروه ليس له كفن تركوا بوج غدوة في غير منزلة الوطن وأفلت من المنهزمين إدريس بن عبد الله بن الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب فأتى مصر وعلى بريدها واضح مولى بني العباس وكان شيعياً فحمل إدريس المذكور على البريد إلى المغرب حتى انتهى إلى طنجة ولما بلغ الهادي ذلك ضرب عنق واضع وبقي إدريس في تلـك البلـاد حتى أرسل الرشيد الشماخ النامي مولى بني الأسد فاغتاله بالسم فمات ولما مات إِدريس المذكور كانت له حظية حبلى فولدت ابناً وسموه إِدريس باسم أبيه وبقي حتى كبر واستقل بملك تلك البلاد وحمل رأس الحسين ومعه باقي الـرؤوس إلـى الهـادي فأنكـر الهـادي عليهم حمل رأس الحسين ولم يعطهم جوائزهم غضْباً عليهم وكان الحسيـن المذكـور شجاعـاً كريماً قدم على المهدي فأعطاه أربعين ألف دينار ففرقها ببغداد والكوفة وخرج من الكوفة ما يملك ما يلبسه إلا فروة لم يكن تحتها قميص‏.‏

وفي هذه السنة مات مطيع بن إياس الشاعر‏.‏

وفيها توفي نافع بن عبد الرحمن ابن أبي نعيم المقرئ‏.‏

أحد القراء السبعة وروى عن نافع راويـان وهمـا ورش وقنبـل وكـان نافـع إمـام أهـل المدينـة في القراءة ويرجعون إلى قرائته وكان محتسباً فيه دعابة وكان أسود شديد السواد وقرأ مالك عليه القرآن وهذا نافع بن عبد الرحمن المقرئ‏.‏

غير نافع مولى عبد الله بن عمر المحدث فليُعْلم ذلك‏.‏

وفيها مات الربيع بن يونس حاجب المنصور ومولاه‏.‏

  ثم دخلت سنة سبعين ومائة

وفاة الهادي

وفي هذه السنة توفي موسى الهادي بن محمد المهدي بن عبد الله المنصور في ليلة الجمعة منتصف ربيع الأول وكانت خلافته سنة وثلاثة أشهر وكان عمره ستاً وعشرين سنة قيل إِن أمـه الخيزران قتلته بأن أمرت الجواري فغمين وجهه وهو مريض فمات ودفن بعيسا باذ الكبرى في بستانه وكان طويلاً جسيماً أبيض وكان بشفته العليا تقلص وكان له سبعة بنين وابنتان‏.‏

  خلافة الرشيد بن المهدي وهـو خامسهـم

وفـي هـذه السنـة أعنـي سنـة سبعيـن ومائة بويع للرشيد هارون ابن المهدي محمد بالخلافـة فـي الليلـة التـي مـات فيهـا الهـادي وكـان عمـر الرشيد حين ولي اثنتين وعشرين سنة وأمه وأم الهادي الخيزران أم ولد وكان مولد الرشيد بالري في آخر ذي الحجة سنة ثمان وأربعين ومائة ولما مات الهادي بعيسا باذ صلى عليه الرشيد وسار إِلى بغداد وفي هذه السنة في شوال أولد الأمين محمد بن الرشيد من زبيدة واستوزر الرشيد يحيى بن خالد وألقى إِليه مقاليد الأمور‏.‏

وفي هذه السنة عزل الرشيد الثغور كلها من الجزيزة وقنسرين وجعلها حيزاً واحداً وسميت العواصم وأمر بعمارة طرسوس على يد فـرج الخـادم التركـي ونزلهـا النـاس‏.‏

وفـي هـذه السنـة أمـر عبـد الرحمـن الداخـل الأمـوي المستولـي علـى الأندلس ببناء جامع قرطبة وكان موضعه كنيسة وأنفق عليه مائة ألف دينار‏.‏

  ثم دخلت سنة إِحدى وسبعين ومائة

في هذه السنة توفي عبد الرحمن الأموي صاحب الأندلـس بقرطبـة ويعـرف بعبـد الرحمـن الداخـل لدخولـه بلـاد المغـرب وهـو عبـد الرحمـن بن معاويـة بـن هشـام بـن عبـد الملك بن مروان بن الحكم ابن أبي العاص بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف‏.‏

في ربيع الآخر وكان مولده بأرض دمشق سنة ثلاث عشرة ومائة ومدة ملكه الأندلـس ثلـاث وثلاثـون سنـة لأنـه تولى الأندلس في سنة تسع وثلاثين ومائة ولما مات ملك بعده ابنه هشام بن عبد الرحمن وكان عبد الرحمن أصهب خفيف العارضين طويلاً نحيفاً أعور‏.‏

وقصده بنو أمية من المشرق والتجأوا إِليه‏.‏

  ثم دخلت سنة اثنتين وسبعين ومائة

فيها توفي رباح وكنيته أبو زيد اللخمي الزاهد بمدينة القيروان وكان مجاب الدعوة‏.‏

  ثم دخلت سنة ثلاث وسبعين ومائة

فيها ماتت الخيزران أم الرشيد وفيها حج الرشيد وأحرم من بغداد‏.‏

  ثم دخلت سنة أربـع وسبعيـن ومائة

وسنة خمس وسبعين ومائة‏:‏ فيها صار يحيي بن عبد الله بن الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب إلى الديلم‏.‏

فتحرك هناك وفيها ولد إِدريس بن إِدريـس بـن عبـد اللـه بـن الحسـن بـن الحسن بن علي بن أبي طالب وإدريس بن عبد الله المذكور هـو الذي سلم وانهزم لما قتل أهل بيته يوم التروية بظاهر مكة حسب ما ذكرناه في سنة تسع وستين ومائة وكان قد توفي أبوه إِدريس الأول وله جارية حبلى ولم يكن له ولـد فولـدت الجاريـة بعـد موتـه فـي ربيـع الآخـر مـن هـذه السنـة ولـداً ذكراً فسموه إِدريس أيضاً باسم أبيه فبقي دخلـت سنـة سـت وسبعيـن ومائـة‏:‏ فيهـا ظهـر أمـر يحيـى بـن عبـد اللـه بـن الحسـن ابـن الحسـن بـن علي بن أبي طالب بالديلم واشتدت شوكته ثم إِن الرشيد جهز إِليه الفضل بن يحيى في جيش كثيف فكاتبه الفضل وبذل له الأمان وما يختاره فأجاب يحيى بن عبد الله إِلى ذلك وطلب يمين الرشيد وأن يكون بخطه ويشهد فيه الأكابر ففعل ذلك وحضر يحيى بن عبد الله إِلى بغداد فأكرمه الرشيد وأعطاه مالا كثيراً ثم أمسكه وحبسه حتى مات في الحبس‏.‏

وفي هذه السنة هاجت الفتنة بدمشق بين المضرية واليمنية وكان على دمشق حينئذ عبد الصمد بن علي فجمع الرؤساء وسعوا في الصلح بينهم فأتوا بني القين وكلموهم في الصلح فأجابوا وأتوا اليمانية وكلموهم في الصلح فقالوا‏:‏ انصرفوا عنا حتى ننظر ثم سارت اليمانية إِلى بني القين وقتلوا منهم نحو ستمائة فاستنجدت بنو القين قضاعة وسليحا فلم ينجدوهم فاستنجدوا قيساً فأجابوهم وساروا معهم إِلى العواليك من أرض البلقاء فقتلوا مـن اليمانيـة ثمانمائـة وكثـر القتـال بينهم ثم عزل الرشيد عبد الصمد عن دمشق وولاها إِبراهيم بن صالح بن علي ودام القتال بين المذكورين نحو سنتين وكان سبب الفتنة بين اليمانيين والمضريين أن رجلا من القين أتى رحى بالبلقاء ليطحن فيه فمر بحائط رجل من لخم أو جذام وفيه بطيخ فتناول منه فشتمه صاحبه وتضاربا واجتمع قوم من اليمانيين وضربوا الذي من القين فأعانه جماعة

وفيها مات الفرج بن فضالة وصالح بن بشر القاري وكان ضعيفاً في الحديث‏.‏

وفيها مات نعيم بن مسيرة النحوي الكوفي‏.‏

  ثم دخلت سنة سبع وسبعيـن ومائـة‏:‏

فـي هـذه السنـة أعنـي سنـة سبـع وسبعيـن ومائـة توفـي بالكوفـة أبـو عبـد اللـه شريك بن عبد الله بن أبي شريك تولى القضاء أيام المهدي ثم عزله الهادي وكان عالمـاً عادلاً في قضائه كثير الصواب حاضر الجواب ذكر معاوية بن أبي سفيان عنده ووصف بالحلم فقال شريك‏:‏ ليس بحليم من سفّه الحق وقاتل علي بن أبي طالب وكان مولده ببخارى سنـة خمـس وتسعيـن للهجـرة‏.‏

  ثم دخلت سنة ثمـان وسبعيـن ومائـة

وسنـة تسـع وسبعيـن ومائـة‏:‏

فيها توفـي مالـك بـن أنـس بـن مالـك بـن أبـي عامـر بـن عمـرو بـن الحـارث مـن ولـد فـي الأصبـح‏.‏

ولذلـك قيـل له الأصبحي وذو الأصبح اسمه الحارث بن عوف من ولد يعرب بن قحطان وكان مولد الإِمام مالك المذكور سنة خمس وتسعين للهجرة أخذ القراءة عن نافع بن أبي نعيم وسمع الزهري وأخذ العلم عن ربيعة الراي‏.‏

قال الشافعي رضي الله عنه‏:‏ قال لي محمد بن الحسن أيهما أعلم صاحبنا أم صاحبكم يعني أبا حنيفة ومالكاً‏.‏

قال‏:‏ قلت على الإنصاف‏.‏

قال‏:‏ قلت فأنشدك الله من أعلم بالقرآن صاحبنا أو صاحبكم‏.‏

قال‏:‏ اللهم صاحبكم‏.‏

قال‏:‏ قلت فأنشدك الله من علم بالسنة قال‏:‏ اللهم صاحبكم‏.‏

قال‏:‏ قلت فأنشدك الله من أعلم بأقاويل أصحاب رسول الله المتقدمين صاحبنا أم صاحبكم‏.‏

قال‏:‏ اللهم صاحبكم‏.‏

قال الشافعي‏:‏ فلم يبق إِلا القياس والقياس لا يكون إِلا على هذه الأشياء وسعى بمالك إِلى جعفـر بـن سليمـان بـن علـي بـن عبـد اللـه بـن العبـاس وهـو ابـن عـم أبـي جعفر المنصور وقالوا له‏:‏ إِنه لا يرى الإِيمان ببيعتكم هذه بشيء لأن يمين المكره ليست لازمة فغضب جعفر ودعا بمالك وجرده وضربه بالسياط ومدت يده حتى انخلعت من كتفه وارتكب منه أمراً عظيماً فلم يزل بعد ذلك الضرب في علو ورفعة‏.‏

وتوفي مالك المذكور بالمدينة ودفن بالبقيع وكان شديد البياض إِلى الشقرة طويلاً وفيها توفي مسلم بن خالد الزنجي الفقيه المكي وكان الشافعي قد صحبه قبل مالك وأخذ عنه الفقه وفيهـا أعنـي فـي سنـة تسـع وسبعيـن ومائـة توفـي السيـد الحميـري الشاعـر واسمه إِسماعيل بن محمد بـن يزيـد بـن ربيعة بن مفرغ الحميري والسيد لقب غلب عليه أكثر من الشعر وكان شيعياً كثيراً الوقيعة في الصحابة وكان كثير المدح لآل البيت والهجو لعائشة أم المؤمنين رضي الله عنها فمن ذلك قوله في مسيرها إِلى البصرة لقتال علي من قصيدة طويلة‏:‏ كأنها في فعلها حية تريد أن تأكـل أولادهـا وكذلك له فيها وفي حفصة أبيات منها‏:‏ إِحداهمـا نمت عليه حديثه وبغت عليه بغية إِحداهما

  ثم دخلت سنة ثمانين ومائهَ

فيها مات هشام بن عبد الرحمن بن معاوية ابن هشام بن عبد الملـك صاحـب الأندلـس‏.‏

وكانـت إِمارتـه سبـع سنيـن وسبعـة أشهـر وثمانية أيام وعمره تسع وثلاثون سنة وأربعة أشهر واستخلف بعده ابنه الحكم ابن هشام ولما وليَ الحكم خرج عليه عمّاه سليمان وعبد الله ابنا عبد الرحمن وكانا في بر العدوة فتحاربوا مدة والظفر للحكم وظفر الحكم بعمه سليمان فقتله سنة أربع وثمانين ومائة فخاف عمه عبد الله وصالح الحكم سنة ست وثمانين ولما اشتغل الحكم بقتال عميـه اغتنمـت الفرنـج الفرصـة فقصـدوا بلـاد الإسلـام وأخذوا مدينة برشلونة في سنة خمس وثمانين ومائة‏.‏

وفـي هـذه السنـة أعنـي سنـة ثمانيـن ومائة سار جعفر بن يحيى بن خالد إلى الشام فسكّن الفتنة التـي كانـت بالشـام وفيهـا هـدم الرشيـد سـور الموصـل بسبـب مـا كـان يقع من أهلها من العصيان في كل وقت‏.‏

وفيها أي سنة ثمانين ومائة وقيل سنة سبع وسبعين ومائة توفي سيبويه النحوي بقرية يقال لها البيضـاء مـن قـرى شيـراز واسـم سيبويـه عمـرو بـن عثمـان بـن قنبـر وكـان أعلـم المتقدمين والمتأخرين بالنحو وجميع كتب الناس في النحو عيلة على كتاب واشتغل على الخليل بن أحمـد وكـان عمـره لمـا مـات نيفـاً وأربعيـن سنـة وقيل توفي بالبصرة سنة إِحدى وستين ومائة وقيل سنة ثمان وثمانين ومائة وقال أبو الفرج ابن الجوزي توفي سيبويه في سنة أربع وتسعين ومائة وعمره اثنتان وثلاثون سنة وإنه توفي بمدينة ساوة وذكر خطيب بغـداد عـن ابـن دريـد أن سيبويه مات بشيراز وقبره بها وكان سيبويه كثيراً ما ينشد‏:‏

إِذا بل من داء به ظـن أنْه نجا ** وبه الـداء الـذي هـو قاتلـه

وسيبويه لقبه هو لفظ فارسي معناه بالعربية رائحة التفاح وقيل إِنما لقب سيبويه لأنه كان جميل الصورة ووجنتاه كأنهما تفاحتان وجرى له مع الكسائي البحث المشهور في قولك‏:‏ كنت أظـن لسعة العقرب أشد من لسعة الزنبور‏.‏

قال سيبويه‏:‏ فإِذا هو هي وقال الكسائي فإِذا هو إِياها وانتصر الخليفة للكسائي فحمل سيبويه من ذلـك همـاً وتـرك العـراق وسافـر إِلـى جهـة شيراز وتوفي هناك‏.‏

  ثم دخلت سنة إِحدى وثمانين ومائة

فيها غزا الرشيد أرض الروم فافتتح حصن الصفصاف وفيها توفي عبد الله بن المبارك المروزي في رمضان وعمره ثلاث وستون سنة‏.‏

وفيهـا توفـي مـروان بـن أبـي حفصة الشاعر وكان مولده سنة خمس ومائة وفيها توفي أبو يوسف القاضي واسمه يعقوب بن إبراهيم من ولد سعـد بـن خيثمـة وسعـد المذكـور صحابـي مـن الأنصار وهو سعد بن بجير واشتهر باسم أمه خيثمة وأبو يوسف المذكور هو أكبر أصحاب أبي حنيفة‏.‏

  ثم دخلت سنة اثنتين وثمانين ومائة

فيها مات جعفر الطيالسي المحدث‏.‏

  ثم دخلت سنة ثلـاث وثمانين ومائة

فيها توفي موسى الكاظم بن جعفر الصادق بن محمد الباقر بـن علـي زيـن العابديـن بـن الحسيـن بـن علـي بـن أبـي طالـب ببغـداد فـي حبـس الرشيد وحبسه عند السندي بن شاهك وتولى خدمته في الحبس أخت السندي وحكت عن موسى المذكور أنه كان إِذا صلى العتمة حمد الله ومجده ودعـاه إِلـى أن يـزول الليـل ثـم يقـوم يصلـي حتـى يطلـع الصبح فيصلي الصلح ثم يذكر الله تعالى حتى تطلع الشمس ثم يقعد إِلى ارتفاع الضحى ثم ويستيقظ قبل الزوال ثم يتوضأ ويصلي حتى يصلي العصر ثم يذكر الله تعالى حتى يصلي المغرب ثم يصلي ما بين المغرب والعتمة فكان هذا دأبه إِلى أن مات رحمة الله عليه وكان يلقب الكاظم‏:‏ لأنه كان يحسن إِلى من يسيء إِليه وموسى الكاظم المذكور سابع الأئمة الاثني عشـر علـى رأي الإمامية وقد تقدم ذكر أبيه جعفر الصادق في سنة ثمان وأربعين ومائة وتقدم ذكـر جـده محمـد الباقـر فـي سنـة ست عشرة ومائة وولد موسى المذكور في سنة تسع وعشرين ومائـة وتوفـي فـي هـذه السنـة أعنـي سنـة ثلاث وثمانين ومائة لخمس بقين من رجب ببغذاد وقبره مشهـور هنـاك وعليـه مشهـد عظيـم فـي الجانـب الغربـي مـن بغـداد وسنذكـر باقـي الأئمـة الاثني عشر إِن شاء الله تعالى‏.‏

وفي هذه السنة توفي يونس بن حبيب النحوي المشهور أخذ العلم عن أبي عمرو بن العلاء وكان عمره قد زاد علـى مائـة سنـة وروى عنـه سيبويـه وليونـس المذكـور قيـاس فـي النحـو ومذاهب ينفرد بها‏.‏

  ثم دخلت سنة أربـع وثمانيـن ومائـة

فيهـا ولـى الرشيـد حمـاد البربـري اليمن ومكة وولىّ داود بن يزيد بـن مرثـد بـن حاتـم المهلبـي السنـد‏.‏

وولـى يحيـى الحرسـي الجبـل وولـى مهرويـه الـرازي طبرستـان وولى إِفريقية إبراهيم بن الأغلب وكان على الموصل وأعمالها يزيد بن مرثد بن زائدة الشيباني‏.‏

  ثم دخلت سنة خمس وثمانين ومائة

فيها مات عم المنصور عبد الصمد ابن علي بن عبد الله بـن عبـاس وكـان فـي القـرب إلـى عبـد المناف بمنزلة يزيد بن معاوية وبين موتهما ما يزيد على مائة وعشرين سنة‏.‏

وفيها توفي يزيد بن مرثد بن زائدة الشيباني وهو ابن أخي معن بن زائدة‏.‏

  ثم دخلت سنة ست وثمانين

ومائة ودخلت سنة سبع وثمانين ومائة‏.‏